في وصف لحظة جلل

“يمر الوقت بالإنسان وفي لحظات قليلة جداً – أقل من بضعة دقائق – قد تتغير حياته، أو يتغير مسارها، أو يتعلم درساً جديداً قد يكون قاسياً، قد يكون هيناً. أو يرى أمام عينه الحقيقة المطلقة.

لكن في النهاية، يصبح الوقت هو مفتاح كل الأشياء، تغييرها، حدوثها، بقائها، نسيانها..”

يدق جرس المنبه ليعلن أنها الخامسة خمسة وخمسون دقيقة صباحاً، وقت غير إعتيادي لأصحو به من النوم ذاهبة إلى العمل – تحديداً إلى المدرسة حيث أؤمن بأنها ليست عملاً مثلما هي رسالة سامية قررت أن أعيش ما أعيشه من عمري أقدمها على مر الأجيال. إعتدت أن أصحو الساعة الخامسة والنصف صباحاً، لكن بالأمس وجدت أنني بحاجة الى خمس وعشرون دقيقة أخرى، قد يخففوا عني أعراض نقص النوم الذي أعانيه.

يوم صحو، شمس مشرقة وبهجة على وجوه التلاميذ. تحية العلم. أعاتب الكثير منهم على السرحان خلال تأدية النشيد الوطني، مشددة على أهميته لأنه يشعرنا بوطنيتنا ولو من خلال أغنية.

يوم عادي بجميع المقاييس، ولكنه مميز حيث أنني لم أعاني أخيرا من نقص النوم. أنا الآن مستعدة للذهاب إلى المنزل لإنهاء عملي الذي أجلته يومان بسبب الإرهاق.

دقت الساعة الثالثة، وحان وقت الإنصراف، كالعادة صوت التلاميذ عاليا مبتهجاً بإنتهاء اليوم الدراسي، المشرفات ينظمون سيرهم في الممرات حتى يصلوا كل إلى أتوبيسه، أو يأتي أحد والديه لأخذه.

كل يوم كنت أخرج من الباب المخصص للمدرسين ولكني اليوم، بلا أي سبب غير أنني شعرت أنني أريد أن أكون وسط تلاميذي وطلابي، خرجت من الباب المخصص لهم، معهم. معروف أنك لو مدرس قريب من طلابك، دائماً تجدهم حولك يتبادلون الحديث، يضحكون، يلقون السلام، المهم أنك لا يمكن أن تكون وحيداً إذا سرت بينهم..

صفاء قلبهم يدب الحياة في الجماد..

إنتظرت أتوبيسي ثم جاء، ركبته، كان يسير ببطء نظراً لإزدحام المدرسة، التي تطل على شارع سريع.

أخذت مقعدي وكنت أستعد للرحيل، حتى إلتففت برأسي لأجد زحاماً غير عادياً على الطريق السريع، لم يكن زحام سيارات ولكنه كان العشرات من الأشخاص يقفون، وغيرهم يتجهون راكضين نحوهم.

“حادثة؟” “يا ساتر، شكلها حادثة، يا حول الله يارب” – أستمع إلى من حولي في الأتوبيس ثم أرجع لأنظر مرة أخرى، لعل وعسى أن أجمع شيئأ مما يحدث. طللت برأسي من النافذة أحاول أن أجد السيارة أو السيارتين “اللي عملوا حادثة” ولكنني لم أجد شيئأ. لم يجد أحد شيئاً…

حتى بدأنا نشعر أنه حادث تصادم، “فيه حد خبطته عربية”.

هكمل بالعامّي.

“أنا صيدلانية، وعندي فكرة كويسة عن الإسعافات الأولية، لو كان حد إتخبط بالعربية يبقى لازم أنزل يمكن أساعد فى إنقاذه، أو يمكن يكون ضهرة إتكسر وأطلب من الناس تبعد عنه علشان ما يتلفوش الحبل الشوكي والأعصاب..” – كان هذا هو كل ما كان يدور بعقلي، وطلبت من سائق الأتوبيس أن ينتظرني ونزلت أركض لمكان الحادث.

ياليتني كنت سلبية ولم أنزل.

راكضة، المشهد رويدا رويدا يتضح معالمه، أرى جسداً ملقي على الأرض غير واضحاً، وأناساً يصرخون. بدأت أقترب، الصراخ يتزايد، أرى طلاباً يرتدون الزي المدرسي الأزرق السماوي، “إيه اللي جابهم هنا بس؟” أهمس لنفسي، مجموعة من الرجال – على ما يبدو عمالاً – إفترشوا الجنينة الواقعة بين حارتي الطريق، أرى رجلاً منهم يصرخ، ويدب على الأرض، متلوياً من الألم “ليه؟ ليــه ليه؟”، ضربات قلبي بدأت في التزايد، بدأت أفقد حاسة السمع، لا أسمع شيئاً من حولي، وأنا أقترب من الجسد الملقي لأجد اللون الأزرق السماوي.. لا أريد أن أصدق، لا أريد أن أسمع شيئاً، العالم توقف من حولي لا أشعر بشئ، زميلتي – مديرة بالمدرسة تأتي نحوي وتسألني “ده حد من عندنا؟ ده حد من عندنا؟” أهز لها رأسي ب “لا أعلم”، وأنا أعلم.. فاقدة النطق تماماً.. علمت ولكنني لم أريد أن أصدق..

إقتربت جداً، لأري جسد ملاك متساوي بالأرض، مدهوس، وشنطة جميلة باللون الزهري ملقاه بجانبها، وشخص يترحم ويبكي ويفتح صحف الجرائد ليفرشها على الجسد الرقيق، لم يكن ليعلم أن لهذا السبب أشترى الجريدة هذا الصباح..

طفلة صغيرة، لم تتعدى الست سنوات، كنت ربما لأعلّمها يوماً ما، ولكن لم يمهلها القدر لتكبر.

لم أشعر بنفسي، لم أشعر بقدمي، ليس لي حاجة الآن فقد صعدت الروح لبارئها، بكاء. ولكني لا أشعر بشئ.

كل ما آراه هو لوحة حزينة لمشهد لا أصدق أنني كنت أحيا لأراه. ناس يبكون، ناس يضربون على رؤوسهم من الصدمة، ناس يترحمون. أشعر أن العالم قد توقف من حولي وأنا أنظر.

 عشرون دقيقة بالضبط كانوا كافيين لحفر ذكرى حزينة في قلبي، نكبة بالدم والبكاء، علّمت في قلبي بشفرة حادة كصفعة على الوجه، الحقيقة المطلقة. القدر.

في طريقي اليوم إلى المدرسة كنت أفكر في جملة “القدر يعمي البصر” وأتفكر بها، والآن أصبحت أفكر، ياترى، آخر عشرين دقيقة في عمري هقديهم بعمل إيه؟

كل ما أطلبه من الله عز وجل أن يجعل أحسن عملي ومن أحبهم، خواتيمها.

لن أنسى ذلك المشهد طالما حييت، تلك الصدمة، ولا أعلم كيف سأذهب غداً وأنسى، لم تكن مجرد حادثة، لقد سجل التاريخ ذلك اليوم من أحزن أيام حياتي. صبر الله أمها على ما إبتلاها به.

وإن لله وإن اليه راجعون…

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s